ابن كثير

376

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال الشاعر : [ المتقارب ] إذا ما الضّجيع ثنى جيدها * تداعت فكانت عليه لباسا « 1 » وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل ، وقال أبو إسحاق عن البراء بن عازب : كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها ، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وكان يومه ذلك يعمل في أرضه ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال : هل عندك طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، فغلبته عينه فنام ، وجاءت امرأته ، فلما رأته نائما قالت : خيبة لك أنمت ؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت هذه الآية أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ - إلى قوله - وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ففرحوا بها فرحا شديدا . ولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء ، قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ، فينزل اللّه عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء ، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء ، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ الآية ، وكذا روى العوفي عن ابن عباس . وقال موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس ، قال : إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم ، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء ، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة ، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله ، ثم جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أشكو إلى اللّه وإليك الذي صنعت . قال : « وما صنعت » ؟ قال : إني سولت لي نفسي ، فوقعت على أهلي بعد ما نمت ، وأنا أريد الصوم ، فزعموا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما كنت خليقا أن تفعل » فنزل الكتاب أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ . وقال سعد بن أبي عروبة عن قيس بن سعد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة في قول اللّه تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ - إلى قوله - ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ

--> ( 1 ) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص 81 ؛ ومقاييس اللغة 5 / 230 ؛ وتهذيب اللغة 12 / 444 ؛ ومجمل اللغة 4 / 262 ؛ وتاج العروس ( لبس ) ؛ ولسان العرب ( لبس ) ؛ والشعر والشعراء ص 302 .